ابن قيم الجوزية

39

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

للعالمين ما يدل على علوه على خلقه ، وكونه فوق كل شيء ، كما يأتي بيانه إن شاء اللّه . فصل في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد ، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها : ما يدل على أنه محمود في إلهيته ، محمود في ربوبيته ، محمود في رحمانيته ، محمود في ملكه ، وأنه إله محمود ، رب محمود ، ورحمان محمود ، وملك محمود . فله بذلك جميع أقسام الكمال : كمال من هذا الاسم بمفرده ، وكمال من الآخر بمفرده ، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر . مثال ذلك : قوله تعالى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فالغنى صفة كمال . والحمد صفة كمال ، واقتران غناه بحمده كمال أيضا ، وعلمه كمال ، وحكمته كمال ، واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا . وقدرته كمال . ومغفرته كمال ، واقتران القدرة بالمغفرة كمال ، وكذلك العفو بعد القدرة 4 : 14 فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً واقتران العلم بالحلم 4 : 11 وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ . وحملة العرش أربعة : اثنان يقولان : « سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك » واثنان يقولان : « سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك » فما كل من قدر عفا ، ولا كل من عفا يعفو عن قدرة ، ولا كل من علم يكون حليما ، ولا كل حليم عالم . فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم . ومن عفو إلى قدرة ، ومن ملك إلى حمد ، ومن عزة إلى رحمة : 26 : 9 وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * ومن هاهنا كان قول المسيح عليه السلام : 5 : 121 إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أحسن من أن يقول : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم . أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن